الشنقيطي
4
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ( 32 ) [ فاطر : 32 ] . وهو تصريح منه جل وعلا بأن إيراث هذا الكتاب فضل كبير والآيات بمثل هذا كثيرة جدا . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً ( 1 ) أي لم يجعل في القرآن عوجا ؛ أي لا اعوجاج فيه البتة ، لا من جهة الألفاظ ، ولا من جهة المعاني . أخباره كلها صدق ، وأحكامه عدل ، سالم من جميع العيوب في ألفاظه ومعانيه ، وأخباره وأحكامه ؛ لأن قوله « عوجا » نكرة في سياق النفي ؛ فهي تعم نفي جميع أنواع العواج . وما ذكره جلّ وعلا هنا من أنه لا اعوجاج فيه - بينه في مواضع أخر كثيرة كقوله : وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ( 27 ) قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ( 28 ) [ الزمر : 27 - 28 ] ، وقوله : وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 115 ) [ الأنعام : 115 ] . فقوله « صدقا » أي في الأخبار ، وقوله « عدلا » أي في الأحكام وكقوله تعالى : أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً ( 82 ) [ النساء : 82 ] . والآيات بمثل ذلك كثيرة جدا . وقوله في هذه الآية الكريمة قَيِّماً أي مستقيما لا ميل فيه ولا زيغ . وما ذكره هنا من كونه قَيِّماً لا ميل فيه ولا زيغ - بينه أيضا في مواضع أخر ، كقوله لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ ( 1 ) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً ( 2 ) فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ ( 3 ) [ البينة : 1 - 3 ] ، وقوله تعالى : إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [ الإسراء : 9 ] الآية ، وقوله : وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 37 ) [ يونس : 37 ] . وقوله تعالى : ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 111 ) [ يوسف : 111 ] وقوله ألم ( 1 ) ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ( 2 ) [ البقرة : 1 - 2 ] ، وقوله الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ( 1 ) [ هود : 1 ] وقوله : وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا [ الشورى : 52 ] إلى غير ذلك من الآيات . وهذا الذي فسرنا به قوله تعالى قَيِّماً هو قول الجمهور وهو الظاهر . وعليه فهو تأكيد في المعنى لقوله وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً ( 1 ) لأنه قد يكون الشيء مستقيما في الظاهر وهو لا يخلو من اعوجاج في حقيقة الأمر . ولذا جمع تعالى ، بين نفي العوج وإثبات الاستقامة . وفي قوله « قيّما » وجهان آخران من التفسير : الأول - أن معنى كونه « قيّما » أنه قيم على ما قبله من الكتب السماوية ، أي مهيمن عليها وعلى هذا التفسير فالآية كقوله تعالى : وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ [ المائدة : 84 ] الآية .